فخر الدين الرازي

32

تفسير الرازي

الوجه الثاني : في تفسير الآية أن يكون المعنى : ليجزي الذين آمنوا بقسطهم ، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا وعملوا الصالحات ، لأن الشرك ظلم . قال الله تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) والعصاة أيضاً قد ظلموا أنفسهم . قال الله تعالى : * ( فمنهم ظالم لنفسه ) * ( فاطر : 32 ) وهذا الوجه أقوى ، لأنه في مقابلة قوله : * ( بما كانوا يكفرون ) * ( يونس : 70 ) . وأما قوله تعالى : * ( والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : الحميم : الذي سخن بالنار حتى انتهى حره . يقال : حممت الماء أي سخنته ، فهو حميم . ومنه الحمام . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمناً وبين أن يكون كافراً ، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين . وأجاب القاضي عنه : بأن ذكر هذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث . والدليل عليه قوله تعالى : * ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ) * ( النور : 45 ) ولم يدل ذلك على نفي القسم الرابع ، بل نقول : إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو الأكثر ، ويترك ذكر ما عداه ، إذا كان قد بين في موضع آخر . وقد بين الله تعالى القسم الثالث في سائر الآيات . والجواب أن نقول : إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر ، ومعلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات ، وكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب ؟ وأما قوله تعالى : * ( والله خلق كل دابة من ماء ) * فإنما ترك ذكر القسم الرابع والخامس ، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة . فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب بخلاف هذه المسألة . فإنه ليس ههنا إلا القسم الثالث ، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا كافر . فظهر الفرق . قوله تعالى * ( هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً والْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ